محمد أبو زهرة
1549
زهرة التفاسير
تلك الضراعة التي بدت على الألسنة هي أولى ثمرات التفكر ، لقد وصلوا بتفكرهم إلى إدراك ربهم فقالوا ( ربنا ) ونادوه سبحانه بذلك النداء الخاضع الضارع الشاكر لنعمائه ، وقد وصلوا بتفكيرهم وتدبرهم إلى أن هذا الكون لا يمكن أن يخلق باطلا ، أي لا يكون لغير غاية ، ولا لغير حكمة ، فمعنى البطلان هنا العبث وعدم الغاية وإنهم ليعلمون أن ذلك مستحيل على اللّه تعالى ، ولذا أردفوا هذا بقولهم : ( سُبْحانَكَ ) ، أي تنزهت ذاتك وتقدست ، وبذلك ارتفعوا إلى مقام التقديس وهو كمال العبودية والألوهية ، ثم اعترتهم وقد وصلوا إلى هذا النوع من العلم خشية العلماء ، مصداقا لقوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ( 28 ) [ فاطر ] ، ولذلك غلب عليهم الخوف من عذاب اللّه تعالى فقالوا مرتبين على تفكرهم ما أدى إليه : فَقِنا عَذابَ النَّارِ فهذه ضراعة إلى اللّه تعالى أن يقيهم عذاب النار ، والوقاية من عذاب النار تكون بأمرين : أولهما - أن يوفقهم لتجنب ما لا يرضيه ، والثاني - أن يغفر لهم ما أفرطوا في جنبه سبحانه وتعالى . وقد كان ترتيب الخوف على التفكر له موضعه لأن نهاية التفكر هو الخوف ؛ إذ ينته إلى أعلى درجات الشعور بالمهابة للّه تعالى ، وهو يجعل المؤمن يستصغر حسناته ، ويستكثر سيئاته ، وإن الصوفية الحق يبالغون في التفكر ، حتى إنهم يفضلونه على صلوات النفل فهو من أفضل مقامات العبودية . رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ هذا في مقام التعليل لضراعتهم بالوقاية من النار ، وهو تعظيم لأمر العقاب يوم القيامة ، وفيه فوق ذلك شعور بالعدالة إذا وقع العقاب ، إذ إنه يكون من ظلم المرتكب ، وفيه أيضا بيان أن العقاب إن أراده اللّه فلا مناص منه ، ولا منجاة بنصر ناصر ، أو شفاعة شفيع ، وأعظم العقاب ما فيه من الخزي أمام اللّه واهب الوجود ، ومولى النعم وذي الجلال والإكرام ، والخزي في أصل معناه الوقوع في بلية ، وقد يطلق على الوقوع في البلايا المعنوية بأن يكون قد ارتكب أمرا يتعير به أمام الناس